أهمية الجليس الصالح

المقال

أهمية الجليس الصالح



said |08-10-2018

أنت هنا :   الصفحة الرئيسية » ركــــن الـمـقالات


د. محمد ضاوي العصيمي

451 | عدد الزوار



لقد جبل الله النفس البشرية على الارتباط بالآخرين ومجالستهم والأنس بهم، ولا يخفى على أحد ما للجليس من تأثير على جليسه وصاحبه، فالطباع سرَّاقة، والصحبة مؤثرة في صلاح الحال وفساده، والنفس مجبولة على التشبه والاقتداء من حيث درت أو لا تدري وهذا ظاهر، ولهذا ذكر العلماء أن الإنسان يتأثر بمن يختلط به حتى لو كان حيواناً والأمثلة على ذلك كثيرة، ومن ذلك:

1) قوله صلى الله عليه وسلم: ( رأس الكفر نحو المشرق، والفخر والخيلاء في أهل الخيل والإبل والفدادين أهل الوبر والسكينة في أهل الغنم)متفق عليه فهذا الحديث اشتمل على أن أصحاب الإبل الكثيرة يصاحبهم في الغالب كبرٌ، وقد انتقل إليهم هذا الداء لماّ صاحبوا الإبل، قالوا لأن الإبل إذا مشت تمشي وهي رافعة رأسها إلى أعلى أما الشاة لكونها ساكنة أورثت أهلها سكوناً وتواضعاً لهذا جاء في الحديث :( ما من نبي إلا ورعى الغنم) قالوا : وأنت؟ قال نعم: كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة)رواه البخاري

وجاء عن عمر رضي الله عنه أنه ركب برذوناً فجعل يتبختر به فجعل عمر يضربه فلا يزداد إلا تبختراً فنزل عنه وقال: ما حملتوني إلا على شيطان ما نزلت عنه حتى أنكرت نفسي، وهذا ظاهر اليوم حينما ترى بعض الناس ممن ركب سيارة فارهة وقع في نفسه احتقار الآخرين وازدرائهم ونظر إليهم شزراً ، وما ذلك إلا لتأثره بمن خالط وصاحب.

لقد تمثل أنبياء الله تعالى تجنب أصحاب السوء لما علموا ما لهم من تأثير سيء على من جالسهم فهذا موسى صلى يدعوا ربه بقوله :{فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} (المائدة:25)، وهذا الخليل إبراهيم قال لقومه :{وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ} (مريم:48)، وأما نبينا صلى الله عليه وسلم، فقد حقق هذا المعنى جلياً في قصة الهجرة من مكة إلى المدينة، فإنه عليه السلام لماّ خالط المشركين تعبت نفسه، وأُوذي عليه الصلاة والسلام، فلما اعتزل أهل الشر والإفساد حقق الله له ما أراد ومكنَّ له في الأرض.

وقد راعت الشريعة أهمية هذا الأمر من خلال تشريعاتها وأحكامها التي حضتَّ وأوجبت أحياناً اعتزال أهل الشر والفساد ففي حد الزاني البكر جاء الشرع بجلدة مائة وتغريب سنة أي نفيه سنة كل ذلك ليبتعد عن مكان المعصية وموارد المنكر حتى لا تتحرك نفسه ولهفته إلى تكرار الخطأ ومعاودة الزنا، وفي قصة الذي قتل مائة نفس كان جواب العالم الفقيه لما سأله ذلك القاتل عن إمكانية توبته فأجابه بقوله: انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناساً يعبدون الله فاعبدالله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء، فلما كان في الطريق أدركه الموت فنأى بصدره ثم مات فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فكان إلى القرية الصالحة أقرب منها بشبر فجعله الله من أهل الجنة.

لا يخفى على كل ناظر ومستمع وعاقل ما لأصحاب السوء من أثر سيء على الإنسان فقد يوقعونه في الكفر والبدعة والمعصية وهذه قصة حديث في زمن النبي صلى الله عليه وسلم تبيين هذا الأمر، فقد أورد السيوطي في الدر المنثور بإسناده إلى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن أبا معيط كان يجلس مع النبي صلى الله عليه وسلم وكان لا يؤذيه وكان رجلاً حليما وكان لأبي معيط خليل غائب عنه بالشام فقالت قريش: صبأ أبو معيط فلما قدم خليله من الشام ليلاً فسأل عنه أبو معيط فقالوا له:لقد صبأ وأخذ يجالس محمداً، فلما أصبح أتاه أبو معيط فحّياه فلم يرد عليه التحية فقال: مالك لا ترد على تحيتي قال: كيف أرد عليك تحيتك وقد صبوت؟ قال ما يبرئ صدرك؟ قال: تأتي محمداً في مجلسه وتبزق في وجهه وتشتمه بأخبث ما تعلم من الشتم ففعل عدو الله فجاء فبزق في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فما زاد عليه السلام أن مسح البزاق عن وجهه، وفيه نزل قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا}( الفرقان: 27-29).

فتأملوا كيف أوشك هذا الرجل أن يسلم لولا أن صرفه قرين السوء وصاحب الشر، وهذا حق فكم من انسان بسبب صاحب السوء أودع سجناً، واقترف إثماً، وعق والداً، وعاقر كبيرة، وأدمن الحرام، وضيع الصلاة، واستمرأ الزنا، وداوم شرب الخمر، ونزع الحياء، والأخبار في هذا كثيرة ولا عجب فقد شبهه النبي صلى الله عليه وسلم بنافخ الكير الذي لا يسلم من جالسه إما على رائحة كريهة أو أن يحرق ثوب المُجَالِس، فصاحب السوء قربه أذى ومجالسته شر والدنو منه بلاء، ولو أردنا أن نستقصى كل الآثار السيئة المترتبة على صحبة السوء لطال بنا المقام لكن حسبنا أن نشير إلى بعضها:

1) فصاحب السوء يناله العذاب الدنيوي والعقوبة المعجلة ليس هو فقط، وإنما كل من جالسه قال صلى الله عليه وسلم:(إذا أراد الله بقوم عذاباً أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على نياتهم)رواه مسلم

2) مجالسة صاحب السوء يستجلب طعن الناس في المحالس له وسوء الظن به

3) كذلك صاحب السوء غير صادق في صحبته يصدق فيه نعت رسول الله بذي الوجهين الذي يقبل على هؤلاء بوجه وعلى هؤلاء بوجه.

ومجالسة أصحاب السوء تجرأ على المعصية.. فقد يتنزه بعض الناس عن مقارفة الحرام في أوله لسلامة فطرته ووجود الحياء في قلبه ثم شيئاً فشيئاً قد يفوق صاحب المعصية أضعاف أضعاف، وهذا معلوم فإن بعض الناس قد يمتنع عن المنكر في أول الأمر، وربما يكره حتى الجلوس في مجالسه ثم تحت الإكراه المعنوي المتمثل بالخجل تبدأ المجاملة بسيجارة ثم يتطور الأمر شيئاً فشيئاً حتى يكون ذلك الغافل عالماً بطرق الحرام بصيراً بمسالكه.

وصدق القائل:

واحذر مصاحبة اللئيم فإنه يعدي كالذي يُعدي الصحيح الأجربُ.

....

ومن شؤم أصحاب السوء أنهم يتبرؤون من أصحابهم عند أول نازلة وأدنى ملمة لسان حالهم قول القائل:

لا تصحبن رفيقاً فاسقاً أبداً * فإنه بائع المصحوب بالدونِ.

.......

فإذا كان هذا في الدنيا فكيف هو الحال في الآخرة قال تعالى عن حالهم :{الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} (الزخرف:67)، وقال تعالى عن أصحاب السوء في النار {وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ} (غافر:47-48).

بل تعدي الأمر إلى أن يلعن بعضهم بعضاً ولكن بعد ماذا؟ { كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاء أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِن لاَّ تَعْلَمُونَ}(الأعراف:38).

وفي مقابل أصحاب السوء أمر الله بمجالسة الصالحين والتشبث بهم والحرص عليهم قال تعالى {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}( الكهف:28).

فمجالسة الصالحين من متاع الدنيا ونعيمه المعجل قال الشافعي :لم أتحسر على شيء عند فراق الدنيا إلا على مجالسة الصالحين.

سلامٌ على الدنيا إن لم يكن بها *صديقٌ صدوقٌ صادقُ الوعدِ منصفاً.

فالصالحون رابطهم الدين وجامعهم الألفة وحلاوتهم هو الحب في الله قال ﷺ : (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان وذكر منهم .....أن يحب المرء لا يحبه إلا لله) متفق عليه.

فالصالحون يفيدونك علماً ويزيدونك صلاحاً، يذكرونك إذا نسيت وينهونك إذا غفلت، وينصحونك إذا أخطأت ويقيمونك إذا اعوججت، مجالستهم لا تخلو من فائدة أو نصيحة أو منفعة، لم تجمعهم مصلحة زائلة أو متاعٌ من الدنيا راحل، يتفقدونك إذا غبت، لا يرضون بأن ينال منك أحد، فإن وقع أحدٌ فيك دافعوا عنك دفاعهم عن أنفسهم وذبوا عن عرضك ذبهم عن أهليهم.

إن مما حث عليه العلماء مجالسة الصالحين من المساكين والفقراء من يتفقد أحوالهم وعيادة مرضاهم حتى يذكر نعم الله عليه فيحيا قلبه فيدعوه إلى التعوذ بالله من البلاء، وتسكين نفسه بدعوة صالحة من اهل الفقر والمسكنة والحاجة، بخلاف من قصر جلوسه ومحادثته على أهل المناصب والجاه والثراء فمثل هذا يؤديه إلى دوام التطلع إلى ما هم عليه، وازدراء النعم، والبعد عن القناعة وهدوء القلب وراحة الضمير قال عون بن عبدالله: صحبت الأغنياء فلم أر أحداً هماً منى، أرى دابة خيراً من دابتي وثوباً خيراً من ثوبي ثم صحبت الفقراء فاسترحت.

وممن يجب الحرص على مصاحبته بل هو أولى الأصحاب: الزوجة الصالحة للرجل والزوج الصالح للمرأة فمثل هؤلاء الصالحون يذكر بعضهم بعضاً ويعين بعضهم بعضاً، ولهذا كم من زوج صالح لما تساهل في اختيار الزوجة الصالحة ابتلي بمن كانت سبباً في تكديره وتضيع أمره وإبعاده عن ربه، وكم من امرأة كانت سبباً في قطع الزوج لرحمه وعق أبيه وأمه وكم من امرأة صالحة ابتليت بمن كان سبباً في ضعف إيمانها وقسوة قلبها وعدم القيام بما أوجب الله عليها يصدق فيهم قوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (التغابن:14)، وقال { تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ} (المسد:1)


هذا والحمد لله رب العالمين


د. محمد العصيمي



3 صوت
   طباعة 


جديد المقالات
الظلم مؤذن بخراب العمران - ركــــن الـمـقالات
مطهرات القلوب - ركــــن الـمـقالات
عسكرة النساء - ركــــن الـمـقالات
بداية الدراسة توجيهات ونصائح - ركــــن الـمـقالات
صائمون ومتناقضون -2 - ركــــن الـمـقالات
روابط ذات صلة
المقال السابق
المقالات المتشابهة المقال التالي