عظم الأشهر الحرم

المقال

عظم الأشهر الحرم



said |07-09-2015

أنت هنا :   الصفحة الرئيسية » ركــــن الـمـقالات


د. محمد ضاوي العصيمي

609 | عدد الزوار




(( عظم الأشهر الحرم ))

الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:

قال الله تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} [القصص:68]، ففي هذه الآية بيان من أن الله جل وعلا أنه هو الخالق لكل شيء سبحانه وتعالى، وأنه يختار من خلقه من يشاء ويصطفي، فاصطفى من الملائكة رسلاً، ومن الناس رسلاً، واصطفى من الأرض المساجد، ومن الشهور رمضان والأشهر الحرم، واصطفى من الأيام يوم الجمعة ويوم عرفة واصطفى من الليالي ليلة القدر.

وإن مما اصطفى الله سبحانه وتعالى اصطفاؤه للأشهر الحرم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: «إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ثَلاَثٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ». متفق عليه.

- وهذه الأشهر الحرم كان لها شأن عظيم في الجاهلية قبل الإسلام وقد أقرهم الإسلام على تأكيد حرمتها كما سيأتي.

- وسميت الأشهر الحرم بهذا الاسم لعظم حرمتها وحرمة الذنب والمعصية فيها، وقيل سميت لوقوع الحج والعمرة فيها فذو الحجة شهر الحج، وحرم معه ذو القعدة للسير فيه إلى الحج، والمحرم للرجوع فيه من الحج حتى يأمن الحاج على نفسه حتى يصل إلى بلده، ورجب لأجل الاعتمار فيه وسط السنة ممن كان قريباً من مكة.

- ولما جاء الإسلام عظّم شأن هذه الأشهر وحرم ابتداء القتال فيها ولام النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة الذين قتلوا في الشهر الحرام ورفعوا السلاح فيه فقد جاء أن رسول الله بعث عبد الله بن جحش وكتب له كتاباً وأمره أن لا يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا وكذا على بعد يومين من المدينة وكان معه جملة من أصحابه.

فلما بلغ حيث أمره رسول الله فتح عبد الله بن جحش الكتاب فإذا فيه "إذا نظرت في كتابي هذا فامضِ حتى تنزل بنخلة بين مكة والطائف ترصد فيها قريشاً وتعْلمُ لنا من أخبارهم " فقال عبد الله في نفسه سمعاً وطاعةً ثم قال لأصحابه :"

قد أمرني رسول الله أن أمضي إلى نخلة أرصد فيها قريشاً حتى آتيه منهم بخبر وقد نهاني أن استكره أحداً منكم فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق ومن أبى ذلك فليرجع، فأما أنا فماضٍ لأمر رسول الله فمضى ومضى معه أصحابه لم يتخلف عنه منهم أحد رضى الله عنهم، فصادفوا عيراً لقريش فقتلوا عمرو بن الحضرمي وأسروا منهم رجلين.

فلما قدموا على رسول الله غضب غضباً شديداً ثم قال لهم: ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام ولم يأخذ مما غنموا شيئاً فتكلم في ذلك المشركون وقالوا: قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام وسفكوا فيه الدم، وأخذوا فيه الأموال، وأسروا فيه الرجال فأنزل الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} [البقرة:217].

لكن بين تعالى أن هناك ما هو أعظم من القتال فى الشهر الحرام: {وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ} [البقرة:217]، أي هذه الأمور العظيمة من الكفر والصد عن سبيل الله وإخراج أهله وفتنة المسلمين في دينهم أعظم. وفيه يقول عبدالله بن جحش:

تَعُدُونَ قتلاً في الحرام عظيمةٌ *** وأعظمُ منه لو يَرى الرُشد راشدُ

صدودكم عما يقولُ محمدٌ *** وكفرٌ به واللهُ راءٍ وشاهدُ

وإخراجُكُم من مسجد الله أهلَهُ *** لِئلا يُرى لله في البيت ساجدُ

- وقد كان أهل الجاهلية يعظمون شأن هذه الأشهر تعظيماً شديداً، حتى إنهم لم يكونوا يتعرضون لأعدى أعدائهم فقد جاء في الصحيحين أن وفد عبد القيس جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من البحرين وقالوا: «يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا لاَ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلاَّ فِي شَهْرِ الْحَرَامِ وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَىُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا وَنَدْخُلْ بِهِ الْجَنَّةَ وَسَأَلُوهُ». رواه البخاري.

- وجاء أن أهل الجاهلية كانوا يؤخرون الأشهر الحـُرم ويستبدلون أسماءها بأسماء أشهر حلال حتى يكون ذلك فسحة لهم في القتال وفيه يقول تعالى: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلِّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِّيُوَاطِئواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ اللّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [التوبة:37].

- وحتى في تسمية الأشهر الحرم إشعارٌ منهم بتعظيمهم هذه الأشهر فكانوا يسمون " رجب وهو شهر حرام بالأصم، قال الخليل بن أحمد: سُمي بذلك لأنه كان لا يُسمع فيه صوت مستغيث، ولا حركة قتال، ولا قعقعة سلاح، لأنه من الأشهر الحرام، وكانوا يسمونه بمنُصل الأسنة أي مخرج الأسنة من أماكنها وكانوا إذا دخل رجب نزعوا أسنة الرماح ونصال السهام إبطالاً للقتال فيه وقطعاً لأسباب الفتنة".

- أما في الإسلام فقد عظّم الله شأن هذه الأشهر الحرم قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ} [المائدة:2]، أي لا تحلوا ما حرم فيه من الابتداء بالقتال وتأكيد اجتناب المحارم.

وقال تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [التوبة:36].

- فبين الله سبحانه وتعالى أن تحريم الأشهر الحرم الأربعة كان منذ خلق السماوات والأرض، ونهى سبحانه عن ظلم الإنسان نفسه {فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ}، والمراد أن هذه الأشهر الحرم الظلم فيها آكد، والإثم فيه أبلغ من غيره، كما أن المعاصي في البلد الحرام تضاعف فكذلك في الشهر الحرام تغلظ فيه الآثام.

- وقال قتادة في قوله تعالى: {فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} أن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة وجرماً من الظلم فيما سواها وإن كان الظلم على كان حال عظيماً، ولكن الله يعظم من خلقه ما يشاء. 1.هــ.

- وجاء عن ابن عباس قوله :" اختص الله أربعة أشهر جعلهن حُرماً وعظم حرماتهن وجعل الذنب فيهن أعظم ".

- ويؤيد حرمة هذه الأشهر ما جاء في البخاري من حديث أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب في حجة الوداع وكان مما قال :" أي يوم هذا قالوا : الله ورسوله اعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال : أليس يوم النحر ؟ قلنا بلى، قال : أي الشهر هذا، قلنا : الله ورسوله اعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال : أليس ذا الحجة ؟ قلنا بلى، ثم قال : أي بلد هذا، قلنا : الله ورسوله اعلم، قال : أليست البلدة ؟ ( مكة ) قلنا بلى، فقال: «قَالَ فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا إِلَى يَوْمِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ قَالُوا نَعَمْ قَالَ اللَّهُمَّ اشْهَدْ فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ» متفق عليه.

- وكان عليه الصلاة والسلام من تعظيمه لهذه الأشهر الحرم أنه لم يكن يبدأ فيها بالقتال ولا يتعرض لأحد إلا إذا تعرضوا له، قال ابن كثير :" اعلموا أن ابتداء القتال في الشهر الحرام حرام فإذا قاتل المشركون المسلمين حل لهم قتالهم "، أي إذا كانت البداءة منهم كما قال تعالى: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} [البقرة:194].

**إشكال وجوابه :

وأما حصار النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الطائف واستصحابه الحصار إلى أن دخل الشهر الحرام فإنه من تتمة قتال هوازن وأحلافها من ثقيف فإنهم هم الذين ابتدأوا القتال وجمعوا الرجال ودعوا إلى الحرب والنزال فعندها قصدهم النبي صلى الله عليه وسلم فلما تحصنوا بالطائف ذهب إليهم لينزلهم من حصونهم وكانوا قد قتلوا من المسلمين جماعة وكان ابتداء قتال النبي صلى الله عليه وسلم في شهر حلال فدخل في الشهر الحرام فاستمر فيه أياماً ثم رجع عنهم والقاعدة: أنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء.

* وختاماً على الإنسان بعد ما ذكرت:-

1-أن يعظم شأن الذنب في هذه الأشهر الحرم والذي نحن الآن في أحد أشهرها، فهو وإن كان الإثم محرماً في كل وقت إلا أنه يتأكد حرمته في هذا الشهر كما تقدم.

2-حرمة التعرض للمسلمين بالقول والفعل، سواء كان التعرض لهم بالأقوال أو الأعراض أو الدماء فكل هذه لها شأنها عند الله العظيم والوقوع فيها خطير.

3-أهمية تعلم الأشهر العربية فهي التي عليها مدار أحكام الشرع وخطاب الشارع، وهي التي عليها المُعول فينبغي إعطاءها أهمية كبرى فيما يتعلق بالأحكام ( حول الزكاة – الكفارات – معرفة العِدَد – حساب الأشهر وغيرها ).

4-أهمية تحفيظها للأبناء وتلقينهم إياها حتى يعتادوها ويعرفوها ويحفظوها.


((والحمد لله رب العالمين))

كتبها

د. محمد ضاوي العصيمي



0 صوت
   طباعة 


جديد المقالات
أهمية الجليس الصالح - ركــــن الـمـقالات
الظلم مؤذن بخراب العمران - ركــــن الـمـقالات
مطهرات القلوب - ركــــن الـمـقالات
عسكرة النساء - ركــــن الـمـقالات
بداية الدراسة توجيهات ونصائح - ركــــن الـمـقالات
روابط ذات صلة
المقال السابق
المقالات المتشابهة المقال التالي