ابن تيمية الامام المفترى عليه

المقال

ابن تيمية الامام المفترى عليه



said |07-09-2015

أنت هنا :   الصفحة الرئيسية » ركــــن الـمـقالات


د. محمد ضاوي العصيمي

1322 | عدد الزوار




(( ابن تيمية الامام المفترى عليه ))


الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد: لاشك أن من أعظم العبادات التي يحبها الله تعالى التعبد لله تعالى بطلب العلم الشرعي، لما له من قدر عظيم عند الله تعالى، فلولا العلم لكان الناس كالبهائم في ظلمات الجهالة، ولولا العلم ما عرفت المقاصد والوسائل، ولولا العلم ما عرفت البراهين على المطالب ولا الدلائل، العلم هو النور في الظلمات، وهو الدليل في المتاهات والشبهات، وهو المميز بين الحقائق، وهو الهادي لأكمل الطرائق، بالعلم يرفع الله العبد درجات، وبالجهل يهوى إلى أسفل الدرجات ولا ريب أن العلم والعلماء لهم في نصوص الكتاب والسنة النصيب الكبير، والقدر العظيم كما قال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}[المجادلة:11].

فبين الله تعالى أن أهل العلم من علماء الكتاب والسنة, أنه رفع شأنهم، وأعلى ذكرهم، و هذا حق فهم الذين نفوا عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين ممن عقد ألوية البدعة وأطلق عقال الفتنة من أولئك الذين يخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم حتى وصل الأمر إلى تجيير عقولهم واستحلال أموالهم بل وفروجهم.

ومما هو معلوم أنه كلما تأخر الزمان وبعد الناس عن زمن الرسالة، حدثت البدع و انتشر الجهل وفشت في الناس الخرافة، واشتدت غربة الدين، فكان من حكمة الله ورحمته بخلقه أنه بعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة دينها إلى أن تقوم الساعة قال صلى الله عليه وسلم : « لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِى ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِىَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ» متفق عليه.

فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنهم من كان على مثل ما عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فالطائفة المنصورة والفرقة الناجية هم أهل السنة المهتدون بالسنة والمقتدون بها، ويجب أن يُعلم أنه لا خير في أمة ولا في قوم لا يرفع للعالم فيها رأساً، وأسوء منه إذا وجد فيهم من ينتقص العالم ويحط من قدره دون أن يكون لأهل الحق كلمة في إنكار هذا المنكر وصدق.

القائل: ولا خير في قوم يذل كرامهم * ويعظم فيهم نذلهم ويسود.

إن من العلماء الذين ما فتئ أهل البدع والانحراف من الطعن فيه إمام من أئمة أهل السنة، و علم من أعلامها أكاد أجزم بأن كثيراً من المسلمين لا يعلم من سيرته إلا اسمه فقط، إنه شيخ الإسلام، وعالم الأنام (ابن تيمية) أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله تيميه الحراني ثم الدمشقي رحمه الله تعالى، وسوف استعرض في هذه المقالة شيئاً يسيراً من سيرته ولأن الاتيان على كل سيرته مما لا تستوعبه المقالات ولا تحصره العبارات.

قال الذهبي عن ابن تيميه: لو حلفت بين الركن والمقام لحلفت: أنه ما رأت عيني مثله، ولا والله ما رأي هو مثل نفسه في العلم. وقال السبكي محمد بن عبد البر الشافعي: ما يبغض ابن تيمية إلا جاهل أو صاحب هوى. يتعجب المرء حينما يرى هذا الهجوم المتكرر على هذا العلم بين فترة وأخرى وقديما قالوا في المثل :(إذا عُرف السبب بطل العجب).

فمن خلال عرض سيرته رحمه الله سيتبين لنا لماذا يقحم أهل البدع اسم هذا الإمام في كل شاردة وواردة، فالمسألة ليست مصادفةً ولا بدعاً من القول كلا؛ بل هو حقد على كل صاحب سنة سيما ممن كان له أثرٌ عظيم في الناس كابن تيمية رحمة الله تعالى عليه وصدق من قال: كل العداوات قد ترجى مودتها * إلا عداوة من عاداك في الدين. وإلا فماذا ننتظر من قوم لم يرضوا عن أصحاب محمد ؟

وماذا نتوقع ممن يطعن في عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فهل يجنى من الشوك العنب!!! لقد كان رحمه الله "جسد رجل واحد يحمل بين جنبيه هم أمة بأكملها فقد ظهر في عصر اشتدت فيه غربة الإسلام، وتفرقت كلمة المسلمين، وظهرت الفرق المخالفة لما كان عليه السلف الصالح.

في زمنه حارب طوائف البدع، ورؤوس الضلال، من طوائف شتى فظهرت في زمنه الفرق الباطنية المنحرفة ممن يقدس الأموات ويعظم القبور ويدعوا أصحابها من دون الله تعالى، وانتشرت في الناس مظاهر الجاهلية التي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم من دعاء غير الله وسؤال الميتين, فكان رحمه الله ممن عاش في هذا الواقع المؤلم فكان ضياءً لامعاً بعلمه الأصيل، يدرس الطلاب، ويؤلف الكتب والرسائل في الرد على المنحرفين، ويناظر الفرق والطوائف حتى كشف عوارهم وفضح أمرهم.

فكانت كتبه وكلماته أشد عليهم من نضح النبل وشرب المر!! فكتب كتباً عدة من أبرزها من كتب الاعتقاد التي أصل فيها عقيدة أهل السنة والجماعة، من السلف الصالحين والأئمة المهديين والذي كان كثيراً ما يقول : (أما الاعتقاد فلا يؤخذ عني ولا عمن هو أكبر مني وإنما يؤخذ الاعتقاد بما دل عليه الكتاب والسنة).

فكان من كتبه التي أغاظت أهل البدع وأفقدتهم صوابهم منهاج السنة النبوية في ثمانية مجلدات. وكتاب الواسطية، وكتاب الاستقامة, والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان, وكتاب الإيمان, وكما أنه كان له جهاد رحمه الله مع أهل البدع بالقلم واللسان فكذلك كان له جهاد بالسيف والسنان واللسان مع ملل الكفر المنحرفين كاليهود والنصارى، فألف كتاب الصارم المسلول في الرد على شاتم الرسول وكتاب الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح.

وله في الرد على الفلاسفة والعقلانيين كتاب نقض المنطق، وكتاب النبوات، وكتاب اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم، وأما جهاده بالسيف فلم يكن رحمه الله يخالف عمله قوله بل كان آية في العمل بالعلم فكان يحرض الناس على الجهاد في سبيل الله سيما ضد التتار وتقدم الصفوف ضد التتار في واقعة (شقحب) سنة 702هـ وصمد في وجههم في يوم (مرج الصّفر) وكان لوجوده بين الناس أثر عظيم في تقويم عزائم المسلمين، ودخل على ملك التتار قازان وكلمه كلاماُ أثار دهشة الحاضرين لجرأته كما هدد سلطان مصر لما كاد يسلم بلاد المسلمين للتتار. هذا موقف شيخ الإسلام في الجهاد في سبيل الله، و تأملوا موقف المبتدعة من تمكين أعداء الله على بلاد المسلمين وقارنوا بين الموقفين.

وكان رحمه الله نابغ الحفظ، قوي الذكاء، متوقد الذهن، فقد خلّفه أباه في التدريس والتعليم وعمره إذ ذاك تسعة عشرة سنة، وكان رحمه الله قلّ أن يسمع شيئاً إلا حفظه، حتى إنه كان يفسر القرآن من حفظه فكان يجلس المجلس الطويل، فربما انقضى المجلس وهو لم ينه الكلام عن بعض آية فضلاً أن يتم تفسير آية.

شبهات وافتراءات: اُفتري عليه رحمه الله بافتراءات هو بعيد عنها، ولا يضره فإن كل مصلح ومجدد يدعوا إلى دين الله تعالى الذي جاء به الرسول صلى الله وسلم لابد أن يبتلى وهذا نبينا صلى الله عليه وسلم قوبلت دعوته بالتكذيب تارة، وباتهامه بما ليس فيه، كقولهم ساحر وكاهن وشاعر ومجنون إلى غير ذلك من الألقاب التي يراد بها الصد عن سبيل الله.

وحال شيخ الإسلام رحمه الله كقول القائل: عداوتي لهم فضلُاً على ومنةٌ* فلا أبعد الرحمن عني الأعاديا هموا بحثوا عن زلتي فاجتنبها* وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا. ......

فما اتهموه فيه وهو منه براء أنه يكفر المسلمين، كما سمعنا من أحد رؤوس الضلال قبل مدة حينما يصرح بأن ابن تيمية تكفيري وأنه وراء خروج داعش والقاعدة!!! ونحن نسأله وأمثاله هل ابن تيمية يقول بأن الصحابة كلهم كفار بعد رسول الله؟ هل ابن تيمية يقول بأن الصحابة كانوا منافقين يظهرون الإسلام؟ هل ابن تيمية يقول بأن القرآن الذي في أيدي الناس اليوم محرف؟ اسمعوا الى كلام ابن تيمية رحمه الله وهل هو تكفيري كما يدعون؟؟ قال رحمه الله: وأهل السنة لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر وهذا مثل الخوارج.

كان رحمه الله ذا صبر على الحق حتى إنه ابتلي رحمه الله مرات و سجن مرات، فكان مما ابتلي به افتراؤهم عليه بأنه يحرم زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وهذا كذب عليه وهو إنما حرّم شد الرحال والسفر بقصد قبر النبي صلى الله عليه وسلم دون من كان في المدينة وقد أخذ هذا القول من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِى هَذَا وَمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الأَقْصَى». متفق عليه.

ومعلوم أن القبر غير المسجد. ومما افترى عليه أيضاً بأنه يخالف إجماع المسلمين سيما في مسألة الطلاق ثلاثاً، ومعلوم أن الطلاق كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أن من طلق ثلاثاً بلفظ واحد أنه يقع طلقة واحدة، وهذا يدل أنه لم يأتِ ببدع من القول. سجن رحمه الله مرات، كل ذلك دفاعاً عن الحق وصلابة فيه لسان حاله وذاك في ذات الإله وإن يشأ * يبارك على أشلاء شلو ممزع.

كان آخر مرة سجن فيها قرابة السنتين و تزيد وكان عمره آنذاك بلغ قرابة سبع وستين سنة و كان رحمه الله في آخر عمره وهو في سجنه قد اشتغل بقراءة كتاب الله تعالى حتى عدّ له ثمانين ختمه وكان من آخر ما قرأ قوله تعالى {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ}[القمر: 54-55]. وكانت جنازته مشهوده رحمه الله.

قال ابن كثير: اجتمعوا لجنازته إجتماعاً لو جمعهم سلطان قاهر، وديوان حاصر، لما بلغوا هذه الكثرة التي اجتمعوها في جنازته وصدق الإمام أحمد حين قال: قولوا لأهل البدع بيننا وبينكم صلاة الجنائز. وما أجمل ما قال بدر الدين العيني الحنفي صاحب عمدة القاري في شرح صحيح البخاري قال مدافعاً عن ابن تيمية من بعض أهل البدع ممن تكلم فيه: قال رحمه الله: من طعن في ابن تيمية ليس هو الا كالجعل باشتمام الورد يموت حتف أنفه، وكالخفاش يتأذى بسناء الضوء لسوء بصره وضعفه. رحم الله ابن تيمية وأسكنه فسيح جناته، وجمعنا وإياكم به في أعلى الجنات، وأرفع الدرجات {مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا}[النسا:69]


((والحمد لله رب العالمين))

كتبها

د. محمد ضاوي العصيمي



1 صوت
   طباعة 


جديد المقالات
أهمية الجليس الصالح - ركــــن الـمـقالات
الظلم مؤذن بخراب العمران - ركــــن الـمـقالات
مطهرات القلوب - ركــــن الـمـقالات
عسكرة النساء - ركــــن الـمـقالات
بداية الدراسة توجيهات ونصائح - ركــــن الـمـقالات
روابط ذات صلة
المقال السابق
المقالات المتشابهة المقال التالي