طيب المطعم

المقال

طيب المطعم



said |07-09-2015

أنت هنا :   الصفحة الرئيسية » ركــــن الـمـقالات


د. محمد ضاوي العصيمي

596 | عدد الزوار




((طيب المطعم))



الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن ولاه وبعد:

لقد تضافرت نصوص الشريعة الكثيرة في الحث على طلب الحلال من المكاسب ونهت عن الحرام منها، لما للأثر العظيم المترتب على طيب المأكل والمشرب والملبس، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المؤمنون:51].

فقدم الله الأكل من الطيبات قبل العمل لما له من تأثير في حياة الإنسان، وبين صلى الله عليه وسلم أن طيب المطعم من أسباب إجابة الدعاء وضده "أي خبث المطعم"، "سبب لرده في وجه صاحبه، فقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً بذل أكثر أسباب إجابة الدعاء من شعث الرأس واغبرار القدم ورداءة الملبس "في إشارة إلى تزهده وتخشعه" ثم ذكر أنه يمد يديه إلى السماء ويلح على الله بقوله: يارب يارب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام، ثم ماذا كانت النتيجة؟ «فَأنّى يُسْتجابُ لِذلِكَ» رواه مسلم.

- إن المتأمل لأحوال الكثيرين اليوم سيما في جانب الكسب نراهم أبعد ما يكونون عن الورع، صورٌ وأحوال، وقصص وأخبار، تدل على ذهاب الخوف من الله، وموت الورع، يتمثل ذلك في تغاطي الناس من خلال تصرفاتهم المالية (فنرى حجم التساهل والتهاون، ونرى مظاهر الجرأة في استباحة الأموال واستحلال ما حرم منها تارة بدعوى التقليد وأن كل الناس يفعلون هذا!!

وتارة بإتباع الهوى!!، وتارة بدعوى الحاجة!! وبعضهم قد يُزين له الشيطان الباطلَ في عينيه، فهذا يستحل ظلم غيره بغير وجه حق، وذاك يستحل الرشوة تحت مسمى الهدية، وآخر يستمرأ أخذ راتب من وظيفة ليس له فيها حق، وآخر يتحايل على مؤسسة أو وزارة لينال من ورائها ما يظنه خيراً له وهو في الحقيقة شرٌ له .

* أثر الورع: ما بَلَّغَ الصالحون ما بلغو إلا بالورع، وتجنب المشتبه من المطاعم، والمشارب، والمكاسب، فضلاً عن وقوعهم في الحرام وحاشاهم، فإن سيرهم وأحوالهم وأقوالهم شاهدة على ذلك قال الغزالي: ما أدرك من أدرك إلا لما عقلوا ما يدخل في أجوافهم، وصدقت أم المؤمنين حين قالت: إنكم لتغفلون عن أفضل العبادة وهي الورع، وقال ابن عمر: لو صليتم حتى تكونوا كالحنايا وصمتم حتى تكونوا كالأوتار، لم يقبل ذلك منكم إلا بورع حاجز.

*الأثر السيئ لخبث المطعم: يشكو كثيرٌ من الناس من ضيق في عيش، وهم في قلب، وعدم وجود بركة في مال، وبرٍ في ولد وردٍ لدعاء، وبُعدٍ عن توبة، واستمراء لمعصية، ولو فتش هذا المسكين في نفسه لعلم أن سبب بلاءه معلوم، وسر التضييق مفهوم !!

إنه ذهاب الورع من خلال استمراء أكل الحرام، والانغماس في الشبه دون أن يكون بينه وبينها حاجزاً منيعاً وحصناً واقياً، قال بعض السلف: إن العبد يأكل أكله فينقلب قلبه، وقال سهل: من أكل الحرام عصت جوارحه شاء أم أبى علم أو لم يعلم، ومن كانت طعمته حلال أطاعته جوارحه ووفق للخيرات، وها هو عمر رضي الله عنه يتقيأ من لبن إبل الصدقة لما شربه خطأ.

وكذا فعل أبو بكر رضي الله عنه فقد شرب لبناً من كسب عبده يظنه حلالاً ثم سأله من أين لك هذا؟ قال: تكهنت لقوم فأعطوني فأدخل أبو بكر أصبعه في فيه وجعل يقيء ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما حملت العروق وخالط الأمعاء .

*العلاقة بين اتباع الهوى وترك الورع: إن اكثر سبب جَّرء الناس على عدم الحرص على طيب المكاسب والمطاعم واستمرار الحرام والشبه في الكسب هو (إتباع الهوى) والجرأة على تزيين الباطل في عين صاحبه فالهوى يُعِمْ ويُصِمْ ويغوي ويُضل قال تعالى: {وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} [ص:26] فالنفس بطبعها ميَّالة إلى الباطل، حريصةٌ على تحصيله لكن النتيجة هي الوقوع في الباطل، وانغماسها فيه حتى يصعب بعد ذلك انفكاكها، وصدق القائل:

إذا المرء أعطى نفسه كل ما اشتهت*** ولم ينهها تاقت إلى كل باطل .

جاء في آثار السلف أن الواعظ كان إذا جلس للناس قال العلماء: تفقدوا منه ثلاثاً، فإن كان معتقداً لبدعة فلا تجالسوه فإنه على لسان الشيطان ينطق، وإن كان سيء الطعمة فعن الهوى ينطق، فإن لم يكن مكين العقل فإنه يفسد بكلامه أكثر مما يصلح، فمثل هذا لا تجالسوه .

- ومن صور إتباع الهوى في تحصيل المكاسب الوقوع في الحيل المحرمة شرعاً وهذا أشد ممن يقع في الحرام مباشرة فإن بني إسرائيل لما حرم الله عليهم صيد السمك يوم السبت تحايلوا على الله بنصب الشباك يوم الجمعة ولما دخلت الأسماك يوم السبت فرغوها يوم الأحد وإذا ما سئلوا قالوا: إنما صدنا يوم الأحد يلعبون على الله كما يلعب الواحد على طفله وصغيره، فجاءت العقوبة ونزل السخط فمسخ الله أشكالهم وقلب صورهم إلى أشكال القردة والخنازير.

- ومن صور إتباع الهوى عند بعض الناس، أنه يبرر لنفسه الوقوع في الكسب الحرام فيبرر لها أن وسيلة التخلص هو تطهير المال بإخراج بعضه صدقة أو!!!!! وهذا جهل .. إذ كيف يسوغ أكل الحرام ابتداءً؟؟ قال سفيان: من أنفق من الحرام في طاعة الله كان كمن طهر الثوب النجس بالبول والثوب النجس لا يطهره إلا الماء، كما أن الذنب لا يكفره إلا الحلال .

* إن أهم ما يميز المسلم ويرفع قدره ويجعله يتنزه عن خبيث المكاسب وإتباع الهوى في ذلك أعظم ما يجنبه ذلك هو القناعة والحرص والاستغناء وعزة النفس والرضا بما قسم الله تعالى فالغنى غني النفس والقناعة قناعة القلب حاله:

إذا سقط الذئابُ على طعام *** رفعتُ يدي ونفسي تشتهيه

وتجنبت الأسود ورود ماءٍ *** إذا كان الكلاب ولغن فيه

ويرتجع الكريمُ خميص بطنٍ *** ولا يرضى مساهمة السفيه



((والحمد لله رب العالمين))


كتبها

د. محمد ضاوي العصيمي



0 صوت
   طباعة 


جديد المقالات
أهمية الجليس الصالح - ركــــن الـمـقالات
الظلم مؤذن بخراب العمران - ركــــن الـمـقالات
مطهرات القلوب - ركــــن الـمـقالات
عسكرة النساء - ركــــن الـمـقالات
بداية الدراسة توجيهات ونصائح - ركــــن الـمـقالات
روابط ذات صلة
المقال السابق
المقالات المتشابهة المقال التالي