السفر: وصايا وأحكام وآداب

المقال

السفر: وصايا وأحكام وآداب



said |12-01-2016

أنت هنا :   الصفحة الرئيسية » ركــــن الـمـقالات


د. محمد ضاوي العصيمي

210 | عدد الزوار



(( السفر: وصايا وأحكام وآداب))


الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:

فإنه لا يخفى على أحد استعداد كثيرٌ من الناس في مثل هذه الأوقات من كل عام للسفر خارج البلاد ولهم في ذلك مقاصدُ وغايات فمن باحث عن الجو اللطيف، أو التخلص من أعباء العمل، أو التمتع بالمناظر الخلابة في ما أودع الله جلا وعلا في هذا الكون الفسيح، وقد تكون الغاية مستحبة أو واجبة كمن يطلب العلم أو يدعوا إلى الله جل وعلا أو يصل رحمه أو يتفقد أحوال إخوانه.

وفي هذا يقول الشافعي:

تغرب عن الأوطان في طلب العلى *** وسافر ففي الأسفار خمس فوائد

تفرج هـم واكتسـاب معيشـة *** وعلمٌ وآداب وصحبة مـاجد

فهذه المقاصد الحسنة في الأسفار أمور يحمد عليها الإنسان، ولكن سرعان ما يتحول هذا الأمر المباح (السفر) إلى الوقوع في كثير من المخالفات الشرعية والتي سنتناولها بإذن الله تعالى بعد ذكر الوصايا التي يجب أن يتمسك بها كل من عزم على السفر.

(1) أول هذه الوصايا تقوى الله جل وعلا ومراقبته في السر والعلن، في الحضر والسفر ويكون ذلك بأن يعمل العبد على ما يرضي ربه سبحانه ولا يسخطه...، وتقوى الله قد أمر الله جل وعلا بها في كتابه في آيات عدة منها ما يذكره الخطيب في كل خطبة في استفتاحها ((ياأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحدة ))(النساء:1).

(2) ومما يوصي به المسافر الحياء من الله تبارك وتعالى قبل الحياء من الناس فمن لم يستحِ من الله ولم يستحِ من الناس فكبر عليه أربعا، وما أعظم الحياء إذا كان يمنع صاحبه من الوقوع في ما حرم الله تعالى، ومتى نزع الحياء رأينا الجرأة على محارم الله تعالى ((إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحِ فاصنع ماشئت)).

(3) ومن الوصايا أن يحرص المرء على بذل الأسباب الشرعية والحسية فالشرعية كالتوكل على الله جل وعلا ودعاء السفر الذي فيه غاية تفويض الأمر إلى الله تعالى، ومن بذل الأسباب عدم ورود الأماكن التي انتشر فيها الوباء المسمى ((بانفلونزا الخنازير)) أو غيره فالعدوى وتأثر بالإنسان بالمرض واحتمالية انتقاله إليه وتأثره به أمر أقرته الشريعة، قال صلى الله عليه وسلم (( فر من المجذوم فرارك من الأسد)) وقال (( لايورِدَنَّ ممرض على مصح)) وقال ((إذا نزل الطاعون في قرية فلا تدخلوا إليها ومن دخلها فلا يخرج منها )) كل هذا وقاية من انتشار المرض والوباء.

وهذا لا يعارض حديث النبي عليه الصلاة والسلام (( لا عدوى ولا طيره)) فنفي العدوى هنا هو نفي لما كان يعتقده أهل الجاهلية من أن العدوى تؤثر بذاتها، وهذا غير صحيح إذ العدوى لا تؤثر إلا بإذن الله {وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّـهِ} (البقرة:102) ، ولا يعني هذا الكلام أننا نقول بحرمة السفر إلى تلك البلاد، لأن تنزيل نصوص الطاعون التي أمر المرء بعدم الدخول إلى تلك البلاد اليوم أنها غير منطبقة لأن الطاعون حتى يحرم الدخول إلى تلك البلد لابد أن يعم وهو ما لم يحصل اليوم، ومع هذا نقول لا ينبغي الهلع والمبالغة في توصيف الداء وكأن الناس ستموت غداً كذلك لا ينبغي التهوين من طلب الأسباب، فخير الأمور الوسط مع الاستعانة بالله تعالى أن يدفع الداء ويرفع البلاء.

وعلى المرء بذل الأسباب الحسية كبذل أسباب السفر من مال ومتاع وإعداد سيارة وتجهيزها فقد جاء رجل إلى رسول الله وهو يمسك بخطام ناقته فقال: أأعقلها أم أتوكل؟ فقال اعقلها وتوكل.

(4) استشعار عبادة التفكر في خلق الله، هذه العبادة التي هجرها كثير من الناس فالإنسان قد يرى من عجيب خلق الله في بعض البلاد ما يجب أن يحرك في قلبه استشعار عظمة الخالق سبحانه وتعالى الذي خلق هذا الكون الفسيح والخلق الجميل، فهذا النبي عليه السلام كان يقوم من الليل ويقلب بصره في السماء وهو يقرأ { نَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ} (آل عمران: 190)، وهذا محمد بن سيرين يقول لطلابه: قوموا بنا ننظر إلى الإبل كيف خلقت وهذا أعرابي يسأل كيف عرفت الله ؟ فيقول أرض ذات فجاج وسماء بلا أبراج وبحار ذات أمواج ألا تدل على اللطيف الخبير.

(5) من الوصايا تعلم أحكام السفر سيما ما يتعلق بالقصر والجمع فمن نوى سفراً و فارق عمران بلده جاز له القصر أي قصر الرباعية إلى ركعتين ولو طالت المدة ((على الصحيح من أقوال أهل العلم)) فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قصر في تبوك تسعة عشر يوماً وفي مكة عشرة أيام .

- ومما ينبه عليه أن المسافرين على نوعين:

(1) مسافر على ظهر سير ((فهذا يجمع ويقصر))

(2) مسافر نازل ((فهذا يقصر فقط))

والصلوات التي تجمع هي الظهر والعصر تقديمًا أو تأخيراً، والمغرب والعشاء تقديمًا أو تأخيراً.

وعلى المرء أن يحرص على أداء سنة الفجر والوتر فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتركهما سفراً ولا حضراً.


((والحمد لله رب العالمين))


كتبها

د. محمد ضاوي العصيمي



0 صوت
   طباعة 


جديد المقالات
أهمية الجليس الصالح - ركــــن الـمـقالات
الظلم مؤذن بخراب العمران - ركــــن الـمـقالات
مطهرات القلوب - ركــــن الـمـقالات
عسكرة النساء - ركــــن الـمـقالات
بداية الدراسة توجيهات ونصائح - ركــــن الـمـقالات
روابط ذات صلة
المقال السابق
المقالات المتشابهة المقال التالي