الغضب بذر الندم

المقال

الغضب بذر الندم



said |12-01-2016

أنت هنا :   الصفحة الرئيسية » ركــــن الـمـقالات


د. محمد ضاوي العصيمي

207 | عدد الزوار



( الغضب بذر الندم )


الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:

كثيرة هي الصفات الذميمة، ويتفاوت الذم على كل صفة بحسب الأثر السيء المترتب عليها، ومن هذه الصفات التي جاءت النصوص بالتأكيد على ذمها صفة (الغضب) لما لهذه الصفة عند نزولها بالمرء أثر سيء ووقع خطير، ولهذا اكتفى النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن الغضب والتحذير منه حينما جاءه رجل فطلب منه أن يعلمه شيئاً ويوصيه بما ينفعه فكان جوابه صلى الله عليه وسلم في كلمة واحدة (لا تغضب) فكأن الرجل تَقَالَّ النصيحة، واستهان بأثرها المترتب عليها، فقال يا رسول الله أوصني فقال: (لا تغضب) حتى كررها مراراً وهذه الكلمة منه صلى الله عليه وسلم من جوامع الكلم، فهي وإن كانت كلمة واحدة لكن اشتملت على نصح الدنيا والآخرة، واقتصاره صلى الله عليه وسلم على ذكر الغضب ما ذلك إلا لما له من آثار سيئة كثيرة فالغضب جماع لكثير من الأقوال والتصرفات المشينة، والتي وللأسف لا يتفطن لها المرء إلا بعد انقضائها، فبالغضب يسب المرء ويلعن، وبالغضب يضرب ويقتل، وبالغضب يطلق زوجته ويؤذي أبناءه، وبالغضب يدعو المرء على نفسه وأولاده وأهله، وبالغضب يستعر في قلبه نار الحقد والانتقام، وبالغضب يبغي المرء ويحسد ويتكبر، وبالغضب قد يعترض بعض الناس على حكم الشرع وعدم التسليم له، وبالغضب يظلم المرء غيره، حتى إن القاضي رغم رشده وسعة عقله نُهي أن يقضي بين اثنين وهو غضبان، ولهذا جاء في سبب نزول قوله تعالى {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ}(النساء:65) أن الزبير تشاجر مع رجل من الأنصار حين أبى الأنصاري أن يحول الماء الفائض من أرضه إلى أرض الزبير حتى تضرر زرع الزبير فاشتكى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى الجدر).

فعند الغضب تطيش العقول، ويقع المرء في المحظور، قال أبو حاتم: لو لم يكن في الغضب خصلة تذم إلا إجماع الحكماء قاطبة على أن الغضبان لا رأي له لكان الواجب عليه مفارقته بكل سبب.

وقال: سرعة الغضب من شيم الحمقى، كما أن مجانبته من زي العقلاء. أ.هـ

وقال الغزالي: حال القلب عند الغضب في الاضطراب أشد من حال السفينة عند اضطراب الأمواج في لجة البحر إذ في السفينة من يحتال لتسكينها وتدبيرها وسياستها، أما القلب فهو صاحب السفينة وقد سقطت حيلته بعد أن أعماه الغضب وأصمه، ويظهر ذلك على أعضائه وكلامه وفعاله ولو رأى الغضبان في حال غضبه قبح صورته لسكن غضبه حياءاً من قبح صورته واستحالة خلقته وقبح الباطن أعظم من قبح الظاهر. وقال ابن القيم: دخل الناس النار من ثلاثة أبواب، باب شبهة أورثت شكاً في دين الله، وباب شهوة أورثت تقديم الهوى على طاعة الله ومرضاته، وباب غضب أورث العدوان على خلقه).

وليعلم أن الغضب منه ما هو محمود، وذلك إذا كان في ذات الله وحمية لدين الله، فمثل هذا لا يذم بل هو محمود (ولهذا غضب صلى الله عليه وسلم لما وقعت بعض المخالفات في زمنه من بعض أصحابه) وهكذا ينبغي أن يكون المسلم غيوراً على محارم الله أن لا تنتهك، وحدوده أن لا يعتدى عليها، أما الذي يرى المنكر ولا يحرك ساكناً فهذا مريض القلب، ذاهب للغيرة، عادم الحياءْ، وهي صفة الجهلة من بني إسرائيل قال صلى الله عليه وسلم (لتأمرنَّ بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد السفيه ولتأطرنه على الحق أطراً أو ليوشكن الله أن يعمكم بعقاب من عنده ...).


((والحمد لله رب العالمين))


كتبها

د. محمد ضاوي العصيمي



0 صوت
   طباعة 


جديد المقالات
أهمية الجليس الصالح - ركــــن الـمـقالات
الظلم مؤذن بخراب العمران - ركــــن الـمـقالات
مطهرات القلوب - ركــــن الـمـقالات
عسكرة النساء - ركــــن الـمـقالات
بداية الدراسة توجيهات ونصائح - ركــــن الـمـقالات
روابط ذات صلة
المقال السابق
المقالات المتشابهة المقال التالي