توجيهات في زمن الانتخابات

المقال

توجيهات في زمن الانتخابات



said |12-01-2016

أنت هنا :   الصفحة الرئيسية » ركــــن الـمـقالات


د. محمد ضاوي العصيمي

1281 | عدد الزوار



((توجيهات في زمن الانتخابات))

الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:

ساعاتٌ قليلة، ودقائقُ حاسمة، وأوقات يسيرة ثم ينقضي هذا الصخبُ وهذه الضوضاءُ التي عشناها في هذه الأيام القليلة الماضية، وما حصل فيها من انشغال الناس في القيل والقال وكثرة السؤال وإضاعة المال، ساعاتٌ يسيرة ثم تحط هذه الانتخابات رحْلَها، ويعوُد الناس إلى مزاولة نشاطهم ومباشرة أمور حياتهم لكن يبقى أن ننبه أن من وقع في خطأ، وخاض في خلل فالفرصةُ سانحة لتصويب ذلك الخطأ وذاك الخلل((فالتصويت لم يأتِ بعد، والأمانة لم تؤدىا))

ووجه ذلك أن يحسن المرء الاختيار، ممن يعرف عنهم القوة والأمانة، فإن التصويت للأكفأ والأصح من أداء الأمانة التي كلف الله العباد بحملها بعد أن أشفقت من ذلك المخلوقات العظيمة قال الله تعالى :{إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً}(الأحزاب:72)، وذكر صلى الله عليه وسلم أن من علامات الساعة:(( أَنْ يُخوَّن الأمين ويؤتمن الخائن)) لا يخفى على أحد أن وصول الأكفاء الصالحين والأقوياء الأمينين فيه مصالح عظيمة للأمة وللمجتمع ومنها أن من سيصل إلى هذا الموضع سيقوم بواجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وذلك لما أعطاه ولى الأمر من صلاحيات واسعة في المحاسبة والمتابعة والمراقبة بل والمساءلة، ولا يخفى على أحد ما للأمر بالمعروف والنهى عن المنكر من مصالح عظيمة ففيه الإعذار إلى الله جل وعلا وإقامة الحجة ورفع البلاء ونشر الخير والفضيلة في المجتمع. ومن المصالح العظيمة في اختيار الأكفاء والأمناء تهيئة البطانة الصالحة والخيرة لولى الأمر، فواجبنا أن نهيئ لولى الأمر من أهل الخير والأمانة والصلاح من يكونون عوناً له على الحق وسنداً له على الخير. فقد جاء في الحديث :(( ما من أمير إلا وله بطانتان من أهله، بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر وبطانة لا تألوه خبالا فمن وقى شرها فقد وقى وهي للتي تغلب عليه منها )) رواه النسائي وصححه الألباني، ومن المصالح العظيمة في اختيار الصالحين صيرورتهم غُصة في حلوق أهل الباطل من دعاة البدعة وحماة التحرر، والذين أصبحوا يطلون برؤوسهم ويجمعون صفوفهم، ويتجرؤون في أطروحاتهم بدعوى أن هذا هو لسان حال أبناء هذا المجتمع وهذا كذب فأبناء هذا البلد بحمد الله تعالى محبون للخير، داعمون لأهل الفضل، مبغضون لهذه الدعوات التي تدعو إلى ما فيه إضعاف دينهم، والتجرد من هويتهم، وقد برهنوا لذلك من خلال حسن اختيارهم في كثير من المرات السابقة وهذا التفاؤل مقيد بشرط حسن الاختيار.

عباد الله:

واعلموا أننا مقبلون على حملة شرسة يراد بها النيل من الدين وأهله فأهل الباطل لا يفتأون يطالبون بمطالبات كثيرة ومتنوعة، مختلفة في أشكالها لكنها متفقة في مضمونها إلغاء قانون منع الاختلاط، ودعوى تغيير المناهج، إلى آخر هذه المطالبات الفارغة والدعاوى السمجة.

* ومن التنبيهات المهمة كذلك، ما نراه ونشاهده من صور التعصب للقبلية والعائلة ... ذاك التعصب المذموم الذي يدفع الإنسان إلى اختيار السيئ بل والأسوأ جرياً وراء القاعدة الجاهلية والمقالة العصبية (( كذاب ربيعة خيرٌ لنا من صادق مضر)) كلمة قالها أحد كبار بني حنيفة قوم مسيلمة الكذاب حينما قيل له: هل تعلم أن رسول الله صادق قال بلى وهل تعلم أن مسيلمة كذاب : قال بلى فقيل له فما يدفعك أن تَتْبَع كذاباً وتكذب صادقاً فقال(( كذاب ربيعة خيرٌ لنا من صادق مضر)) إن انتساب المرء لقبيلته وعائلته ليس مذموماً، لكن المذموم هو ذلك التعصب المقيت الذي يجعل المرء يري القذاة في عين القبائل والعوائل الأخرى دون أن يرى الجذع في عين من هو من أبناء قبيلته ويزداد الأمر سوءاً إذا أداه إلى الطعن في الأنساب، والفخر بالأحساب وذكر مثالب الآخرين، واختيار من هو من قبيلته وعائلته ولو كان يوقن بأنه ليس كفؤاً لهذا المنصب أو تبوأ ذاك المكان، فالمسلم لا يكون إمعة يسئ حيث أساء الناس، بل يحسن حيث يحسنون ويجتنب إساءتهم حيث يسيئون، وذلك من خلال أداء الأمانة والشهادة الحقيقية لمن يستحق أن يتولى على الناس هذه الولاية، ومن التنبيهات المهمة ما أخذ يفشو وينتشر من الرشوة المحرمة عبر شراء أصوات الناخبين والناخبات، فالرشوة دمارٌ للمجتمع وخيانة للأمانة، وقتل لكرامة الإنسان وعزته، والرشوة استرقاق بعد حرية وذلٌ ومهانة بعد عزةٍ وكرامة، فالراشي ملعون والمرتشي ملعون وكلاهما متوعد بالنار والطرد من رحمة الله تعالى.

وإلا فكيف يقبل إنسان كرّمه الله تعالى، أن يبيع نفسه، ويعرض أهل بيته كذلك؟ ألم يفكر هذا الإنسان بشؤم هذا الأمر ووقع هذا الخطر؟ ماذا نتوقع من إنسان يشترى ذمم الناس؟ ويبذل الأموال الطائلة لجني الأصوات؟ هل يتوقع من هذا صلاحاً وإصلاحاً؟ هل يتوقع من هذا أن يشتغل بحل مشاكل الناس ومتابعة همومهم؟ أم سيهتم بتعويض ما بذل في الرشوة، والحرص على زيادة أرصدته وتكثير أمواله، وتنمية مداخله، وقد مكنه من ذلك سفيه غرر به بـ ((200 أو 300 أو بألف دينار)) والأدهى والأمر أن تقحم النساء في هذا الباب الخطر والمزلق القذر، فهذه المرأة التي قبلت أن تأخذ مالاً من رجل أجنبي هل هذا أمرٌ هين عند أرباب الغيرة وأهل الرجولة والمروءة؟، أين ذهبت عقول الرجال ؟ أين هي ؟ أم أن المشاعر تبلدت والأحاسيس ماتت والقلوب جَمُدَتْ عند رؤية الأموال والدنانير، ولعل من أظهر المخالفات التي يعيشُها كثير من الناس وللأسف ما نراه من الخلل الواضح في مفهوم التوكل على الله تعالى، فما نراه ونسمعه من تعلق قلوب كثير من الناس بأعضاء مجلس الأمة في كل ما يَحُلُ على الناس من مصيبة أو نازلة، أو أمرٍ يحتاج الناس معه إلى من يُحِقُ حقاً أو يزهق باطلاً، أو يدفع مظلمة أو يجلب منفعة، لا شك أنه يجب أن يستشعر العبد أن هؤلاء الأعضاء ما هم ولا غيرهم إلا أسباب لحفظ الدين ودرء المفاسد وجلب المصالح والله جل وعلا هو مسبب الأسباب وميسرها ومسخرها بين يدي خلقه وفِعال عباده، كم رأينا إذا وقعت بالناس ملمة أو نزلت بهم نازلة تجد القلوب تتهافت والنفوس تعول على ما سيصوت عليه أعضاء البرلمان، ولكننا في المقابل لم نر ولم نسمع من لجأ إلى الله تعالى وألح في المسألة أن ييسر الأمر ويفرج الهم ويزيل الكرب فهو سبحانه أعظم من سئل وأكرم من أعطى لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، قال صلى الله عليه وسلم ((وأعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك, ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف )) رواه أحمد والترمذي.

وأخيراً:

إلى كل من أشغلته الدنيا وتعلق قلبه بها حتى صار الفوز بالرياسة هو أكبر الهم والحرص على المناصب هو مبلغ العلم تذكر بأن الفوز الأكبر والغنيمة الأعظم هي في النجاة من النار، والبعد عن أسباب غضب الواحد القهار، الفوز الأكبر يوم تعطى كتابك بيمينك، الفوز الأكبر يوم أن يثبتك الله جل وعلا في قبرك، الفوز الأكبر يوم أن لا يزل قدمك على الصراط، يوم أن تنال شفاعة الأنبياء والشهداء والصالحين والأفراط، الفوز الأكبر يوم على أن ترد على حوض المصطفى في وقت يذاد عنه كثير من الناس، الفوز الأكبر يوم أن تجعل النار خلف ظهرك وتضع في الجنة أول قدمك {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ}(آل عمران:185).



1 صوت
   طباعة 


جديد المقالات
أهمية الجليس الصالح - ركــــن الـمـقالات
الظلم مؤذن بخراب العمران - ركــــن الـمـقالات
مطهرات القلوب - ركــــن الـمـقالات
عسكرة النساء - ركــــن الـمـقالات
بداية الدراسة توجيهات ونصائح - ركــــن الـمـقالات
روابط ذات صلة
المقال السابق
المقالات المتشابهة المقال التالي