كيف نخشع في صلاتنا

المقال

كيف نخشع في صلاتنا



said |12-01-2016

أنت هنا :   الصفحة الرئيسية » ركــــن الـمـقالات


د. محمد ضاوي العصيمي

803 | عدد الزوار



((كيف نخشع في صلاتنا؟))


الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:

تحدثنا في مقالة اللذة المفقودة عن أهمية الخشوع في الصلاة وحكمه , وبسطنا من خلال الأدلة من الكتاب والسنة ما للخشوع من أهميه عظيمة، وذكرنا بالمثال عظم الهوة بين صلاة كثير من الناس وبين الخشوع في الصلاة، وما ذلك إلا لتسلط الوهن في قلوبنا، وطغيان المادة حتى أصبحت الدنيا أكبر همنا ومبلغ علمنا.

- ويجب أن نعلم جميعا أن الخشوع له أسباب ما لم يأخذ المرء بها ويبذل وسعه في تحصيلها فإنه لن يوفق لصلاة خاشعة تقربها عينه وترتاح بها نفسه.

*أما أسباب الخشوع في الصلاة فهي كثيرة منها:

1- أولا : استشعار المرء أنه يقف بين يدي ربه وخالقه , وأنه في مناجاة مع الله تبارك وتعالى، وأنه يسأل الله جل وعلا والله يجيبه قال عليه الصلاة والسلام ( إن أحدكم إذا قام يصلي فإنما يناجي ربه فلينظر كيف يناجيه ) رواه أبو داود

وتتجلى صورة المناجاة في أن جل وعلا وهو الغني يجيب ذلك العبد كما جاء في الصحيحين من قوله صلى الله وسلم ( قال الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدى نصفين) فإذا استشعر العبد أنه كذلك وأنه يقف بين يدي الله لم يذهب فكره ولم يتشتت عقله وقلبه, وجمع جوارحه حياءً من الله وتعظيماً له سبحانه وتعالى.

2- ومن أعظم ما يعين على الخشوع استشعار العبد أنها آخر صلاة يصليها .. فمن استشعر ذلك كيف تُرَوْنَ ستكون صلاته؟ ولهذا جاء في وصية النبي صلى الله عليه وسلم لأحد أصحابه ( صل صلاة رجل لا يظن أنه يصلي غيرها).

3- الطمأنينة في الصلاة وعدم العجلة في أدائها ولهذا ما كان صلى الله عليه وسلم ينتقل من ركن إلى ركن حتى يعود كل عظم إلى موضعه وكل فقار إلى مكانه.

4- ومما يعين على الخشوع تدبر ما يقرأ فهذا من أعظم ما يعين على الخشوع في الصلاة قال ابن جرير رحمه الله :إني لأعجب ممن قرأ القرآن ولم يعلم تأويله كيف يلتذ لقراءته – فها هو نبينا صلى الله عليه وسلم أعظم المتدبرين يقوم ليلة بقول تعالى {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }(المائدة:118).

5- ومما يعين على الخشوع وضع السترة في الصلاة والدنو منها فهذا أدعى لحضور القلب وعدم تجاوز البصر وكذلك عدم نقص الأجر في مرور الناس من أمامها.

6- ومما يعين النظر إلى موضع السجود كما كان يفعل صلى الله عليه وسلم فإنه كان يرمي ببصره نحو موضع سجوده إلا في التشهد فيرمي ببصره نحو سبابته و هذا أدعى لحضور القلب بخلاف من ينظر أمامه وفوقه وعن يمينه وشماله حتى بعض الناس من خلال ما ترى من نظراته تسأل نفسك هل هو في صلاة أو أنه لم يكبر بعد؟؟

-7- الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم وعدم الالتفات إلى الوساوس ,ولا يخفى على أحد أن الشيطان كان وما يزال يلبس على الإنسان ليفسد عليه صلاته , فالمسلم عليه أن لا ينجر وراء هذه الوساوس وأن لا يكترث بها ولهذا جاءت السنة في بيان علاج ذلك.

أ - فمن لبس عليه الشيطان فليستعذ بالله في أثنا الصلاة ولينفث عن يساره ثلاثاً.

ب- ومن شعر بأنه قد خرج منه شيء فلا يجوز له أن يخرج من صلاته حتى يتيقن أنه قد خرج منه شيء فاليقين لا يزول إلا بيقين.

8- ومن أسباب الخشوع الاستعداد للصلاة قبلها ويكون ذلك بأمور بدءاً من الترديد خلف المؤذن، ثم الدعاء بعد الأذان ، وتحسين الوضوء وأخذ الزينة في الذهاب إلى المسجد، والمشي بطمأنينة وسكينه ووقار ثم دعاء دخول المسجد ثم الصلاة ركعتين تحية المسجد تهيؤا للصلاة فالدعاء بين الأذان والإقامة ثم الشروع في الصلاة فهذه الوسائل مدعاة لحضور الخشوع في الصلاة، بخلاف ذلك المتعجل والذي تَعَوَدَّ التأخر عن الصلاة، بل بعض الناس وللأسف لا تكاد تراه إلا مسبوقاً قد فاتته ركعة أو ركعتين وما هذا إلا من التفريط والتقصير ومثل هذا حرىٌ أن لا يجد طعم الخشوع قال صلى الله عليه وسلم ( ما يزال الرجل يتأخر عن الصلاة حتى يؤخره الله)

9- ومن أسباب الخشوع تسوية الصفوف والتراص فيها، بعض الناس لا يروق له سد الفرج بينه وبين من بجواره، بل بعضهم يتضايق من مثل هذا، وهذا خلاف هدي النبي صلى لله عليه وسلم المتمثل في قوله وفعله فكان كثيرًا ما يقول ( استووا، سددوا الخلل حاذوا بين المناكب والأقدام، سووا صفوفكم) والقدر الواجب في تسوية الصفوف هو تسوية المناكب بعضها مع بعض ولأن مثل هذا الأمر يسد على الشيطان تخلل الصفوف فإذا دخل فيها أ فسدها كما لا يخفى.

10- ومن الأسباب كذلك البعد عن الشواغل التي تشغل الإنسان عن الخشوع في الصلاة ومن ذلك أن لا يصلي وهو حاقن و لا يصلي وهو جائع جوعاً يذهب معه الخشوع وأن لا يصلي في مكان فيه صور ورسومات، وأن لا يصلي عند من يتحدث: أو في مكان فيه أصوات مذياع أو تلفاز وأن لا يصلي وهو ناعس فإنه قد يدعوا على نفسه.

11- ومما يعين على الخشوع كذلك الصلاة خلف من صوته حسن وأن يحسن صوته هو كذلك ففي الحديث ( زينوا القرآن بأصواتكم فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا)

12- دعاء الله تعالى وسؤاله الإعانة على الخشوع في الصلاة فأمر الخشوع ليس هيناً كما يتصوره بعض الناس فهو يحتاج إلى صبر ومصابرة ومجاهدة وقد وعد الله من هذا شأنه أن يرزقه بغيته ويحقق له مناله {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} (العنكبوت:69)

13- ومن أعظم ما يعين على الخشوع تأمل سيرة السلف في صلاتهم فهذا أحدهم كان يرى في الليل كأنه عمود في البيت، ويقول إبراهيم الصبغي: ما رأيت أحسن من صلاة أبو حاتم رأيته يصلى فجاء زنبور فلدغه على جبينه فسال الدم على وجهه فو الله ما أشار بيده ولا حرك ساكناً.

ويقول ابن القيم: كان شيخ الإسلام يصلي فكنت أراه وهو ترتعد فرائصه (وهى الموضع بين الكتف والثدي).

ومن عجيب ما جاء في سير الخاشعين ما جاء في سيرة العابد الزاهد والعالم الورع والفقيه المحدث عروه بن الزبير رحمه الله تعالى : أنه لما أصابت الأكلة رجله رحمه الله قرر الأطباء أن يقطعوها من عند فخذه فقالوا نسقيك مخدرا ( حتى لا تحس بالأم ) فقال ما كنت لأشربه وأنا صحيح فكيف أشربه وأنا سقيم فقالوا لا تتحمل فقال رحمه الله: ذروني حتى أدخل في الصلاة فإذا شرعت فيها فاقطعوها فإني لا أشعر بها فلما دخل في الصلاة رحمه الله قطعوها فأغمي عليه ثم وضعوها في زيت مغلي حتى يرقأ الدم ويتماسك، فلما أفاق جاءه الخبر بموت أحد أبنائه وكان يحبه حباً شديدًا ( فاجتمعت عنده مصيبتان مصيبة فقد الولد مع قطع الرجل ) فماذا كان حاله؟ لم يجزع ولم يسخط وإنما رضي بقضاء الله وقدره فرفع يديه إلى الله ثم قال: اللهم لك الحمد أعطيتني أربعة أطراف فأخذت واحداً وأبقيت ثلاثة اللهم لك الحمد أعطيتني أربعة من الولد فأخذت واحداً فأبقيت ثلاثة اللهم لئن كنت قد أخذت فقد أعطيت، ولئن كنت قد ابتليت فقد عافيت.

اللهم ارزقنا قلباً خاشعاً ولساناً ذاكراً وجوارح لا تعصيك


((والحمد لله رب العالمين))


كتبها

د. محمد ضاوي العصيمي



2 صوت
   طباعة 


جديد المقالات
أهمية الجليس الصالح - ركــــن الـمـقالات
الظلم مؤذن بخراب العمران - ركــــن الـمـقالات
مطهرات القلوب - ركــــن الـمـقالات
عسكرة النساء - ركــــن الـمـقالات
بداية الدراسة توجيهات ونصائح - ركــــن الـمـقالات
روابط ذات صلة
المقال السابق
المقالات المتشابهة المقال التالي