فضل العلماء

المقال

فضل العلماء



said |16-02-2016

أنت هنا :   الصفحة الرئيسية » ركــــن الـمـقالات


د. محمد ضاوي العصيمي

606 | عدد الزوار



فضل العلماء


الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:

إن من أعظم العدل الذي أمر الله به وأوجبه على عباده إعطاء كل ذي حق حقه وأخص منهم أولئك الذين لهم فضل على البشرية من خلال ما حصل من طريقهم من نفع عميم وأثر جسيم، ومن أول هؤلاء استحقاقاً هم العلماء من أولئك الذين أثنى الله عليهم في آيات عدة وبين عظيم منزلتهم وعلو شأنهم قال تعالى {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}(المجادلة:11) ، وبين سبحانه وتعالى أنهم أهل الخشية فقال { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء}(فاطر:28)، أي العلماء هم أشد الناس خشية لله تعالى قال بعض السلف: "من كان بالله أعرف كان منه أخوف" ومن جليل قدرهم عند الله تعالى أن الله جل في علاه والمستغنى عن شهادة خلقه له خصَّ العلماء دون غيرهم من سائر الناس ليستشهدوا على وحدانيته فقال { شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }(آل عمران:18)، ومن خصالهم أن الله أمر عباده بطاعتهم قال تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ }(النساء: 59)، وأولوا الأمر كما قال شيخ الإسلام هم العلماء والأمراء فإذا صلحوا صلح الناس وإذا فسدوا فسد الناس.

وبين سبحانه أنهم لا يساوون بغيرهم فقال {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} (الزمر:9)

وجاء في السنة بيان منزلة العلم وأهله وأحاديث كثيرة منها قوله صلى الله عليه وسلم: (من سلك طريقا يلتمس فيه علماَ سلك الله به طريقاً إلى الجنة، وأن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض، حتى الحيتان في جوف الماء، وأن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكوكب، وأن العلماء ورثة الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر) رواه أحمد من حديث أبي الدرداء.

قال الشاطبي: كما أن النبي صلى الله عليه وسلم يدل على الأحكام بقوله وفعله وإقراره كذلك وارثه هو العالم الذي يدل على الأحكام بقوله وفعله وإقراره.

ومن لطيف ما جاء في معنى استغفار الحيوانات للعلماء أن العالم هو الذي يأمر الناس بالإحسان إلى الحيوانات ومنع الضرر عنها وما ذلك إلا لما يحمل من العلم الشرعي الذي دله على ذلك، ومن عظيم أثرهم أن الناس ما يزالون بخير ما بقي علماؤهم، فإذا فقدوا عم الجهل وتجرأ الناس على حدود الله، ووقعوا في الضلال قال صلى الله عليه وسلم ( إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا).

قال أبو مسلم الخولاني": العلماء في الأرض مثل النجوم في السماء، إذا بدت للناس اهتدوا بها، وقال السعدي رحمه الله: لولا العلم لكان الناس كالبهائم في ظلمات الجهالة، ولو العلم لما عرفت المقاصد والوسائل، العلم هو النور في الظلمات وهو دليل في المتاهات والشبهات.

وقال الآجري مبيناً فضل العلماء أن الله اختص من خلقه من أحب ثم ذكر من هؤلاء العلماء كونه سبحانه فضلهم على سائر المؤمنين، رفعهم بالعلم وزينهم بالحلم، بهم يعرف الحلال من الحرام، والحق من الباطل والضار من النافع، هم أفضل من العباد، وعلى درجة من الزهاد، حياتهم غنيمة، موتهم مصيبة يذكرون الغافل ويعلمون الجاهل...الخ.

وبعد كل ما ذكرت من نصوص وآثار وأخبار تدل دلالة واضحة على فضل العالم وجب حينئذ على كل مسلم أن يعرف لهم قدرهم وأن ينزلهم منازلهم، قال صلى الله عليه وسلم ليس منا من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه) رواه أحمد.

ومن حقوق العلماء أمور منها:

1- وجوب موالاتهم والذب عنهم ونصرتهم قال شيخ الاسلام: يجب على المسلم بعد موالاة الله تعالى ورسوله موالاة المؤمنين خصوصا العلماء).

وجاء في الحديث القدسي أن من عادى أولياء الله فهو متوعد بالحرب والعقوبة ( من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب).

إن من المؤسف أننا ابتلينا في هذا العصر بمن لا يعرف للعلماء قدراً، ولا فضلا ولا منزلة من أولئك الذين أطلقوا ألسنتهم في القدح في العلماء وانتقاصهم والحط من مكانتهم وقدرهم مستخفاً بهم ومستبيحاً لغيبتهم وإذا ما تأملت هذا المنتقص وجدته من أجهل عباد الله، أو ممن لا يقيم للشريعة وزناً، ولا قيمة ونقول لهؤلاء:

أقلوا عليهمو لا أبا لأبيكموا *** من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا

لقد بلغ الحط من العلماء وازدرائهم واتهامهم بالتهم الباطلة في هذا العصر مبلغاً لا يمكن السكوت عنه، وليعلم هؤلاء أن لحوم العلماء مسمومة وعادة الله في هلك أستار منتقصهم معلومة، وقل من اشتغل في العلماء بالثلب إلا عوقب قبل موته بموت القلب، قال علي رضي الله عنه ( من استخف بالعلماء ذهبت آخرته).

إن المتأمل لكثير من التهم التي ألصقت بالعلماء المعاصرين يجدها نفسها التي كان يتهم بها علماء الإسلام الكبار قديما (وكأنما هؤلاء المستهزئون الساخرون رضعوا من ثدي واحد) فمن يتهم العلماء اليوم هم أنفسهم كانوا يقولون عن أبي حنيفة والشافعي أن علمهم في جملته لا يخرج عن سراويل النساء.

ومن صور الحط من العلماء عدم الرجوع إليهم في النوازل العظيمة التي تتعلق بمصير الأمر ونكباتها، وإذا ما تكلموا في النوازل بما يدينون الله به ألصقت فيهم التهم الرخيصة كاتهامهم بالعمالة وبمشايخ السلطة اللاهثون وراء المناصب والأموال.

ومن صور انتقاص العلماء الاستهزاء بخلقهم وصورهم نسأل الله العافية، أو الدعاء عليهم بالمرض والموت أو سبهم أو لعنهم كما نطق بذلك بعض السفهاء قال أيوب: إن اللذين يتمنون موت أهل السنة يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم.

ومن صور انتقاصهم الجرأة على تخطئتهم وانتقاد فتاواهم عند قراءتها أو السماع بها وإذا رأيت المنتقد وجدته ممن لا يحسن الوضوء هذا إن كان يصلي أصلاً نسأل الله السلامة.

ومن صور انتقاصهم جعلهم تحت مجهر النقد وتحميلهم مصائب الأمة ومشاكلها وكأنما العلماء هم من بطشوا وقتلوا وجوعوا وهذا من الظلم البين، فكم من منكر أنكره العلماء، وكم من خطأ صوبوه، ومن صالح، ومعروف نشروه، وليس شرطاً أن يبدوا هذا للناس علانية.

لقد بلغت الجرأة في منتقص العلماء أن جعلوا فتاواهم تحت مشرط النقد والتجريح في مواقع الانترنت السياسية والإخبارية بل وحتى الرياضية، فهذا يجرح وآخر ينتقد، وثالث يتهم، ورابع يسب ويلعن، نعوذ بالله من الخذلان، فهل هذا قدر علمائنا عندنا؟! إن المرء ليعجب وهو يرى تعظيم النصارى لبابواتهم وقساوستهم، واليهود لأحبارهم وحاخاماتهم، وأهل البدع لعلمائهم، بينما ترى السواد الأعظم من أهل السنة وللأسف الشديد يحطون من قدر علمائهم، وينبذونهم بأقبح الأوصاف وأشنع النعوت، وليعلم هؤلاء المنتقصون أنهم لا يضرون العلماء.

فإذا كان أنبياء الله لم يسلموا من الانتقاص فكيف بالعالم قال تعالى {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} (الأنعام:112).

إن هذه الشريعة شريعة العدل وإعطاء كل ذي حق حقه، فمحبة العلماء لا تعني الغلو فيهم وادعاء العصمة لهم فهم بشر يصيبون ويخطئون، فالغلو طريقة النصارى الضالون والمتبعة المنحرفون فالطريقة المرضية عند علماء أهل السنة إجلال العالم وتوقيره ومعرفة قدره سيما العلماء الذين عرفوا بسلامة العقيدة، وإذا ما أخطأ العالم رد عليه العالم الذي هو مثله ممن يتبين له الخطأ ويعرف الصواب، ويكون الرد عليه وفق الآداب الشريعة والأخلاق المرعية فهذا هو دين الله فدين الله يبين الإفراط والتفريط والغلو والتقصير.

نسأل الله أن يجعلنا ممن يعرف لعالمنا حقه، وأن يجزي علماءنا خيراً نظير ما قدموا وبذلوا.


والحمد لله رب العالمين


كتبها

الشيخ د. محمد ضاوي العصيمي



0 صوت
   طباعة 


جديد المقالات
أهمية الجليس الصالح - ركــــن الـمـقالات
الظلم مؤذن بخراب العمران - ركــــن الـمـقالات
مطهرات القلوب - ركــــن الـمـقالات
عسكرة النساء - ركــــن الـمـقالات
بداية الدراسة توجيهات ونصائح - ركــــن الـمـقالات
روابط ذات صلة
المقال السابق
المقالات المتشابهة المقال التالي